تساءل/تساءلت لحن.. أحد عابري مدونتي:”كلما زرت مدونة مهجورة، تساءلت في نفسي: ماهو مصير صاحبها؟”

استوقفني ذاك التساؤل، أنا التي لم أشارك القراء شيئا طيلة عام كامل..وقلت علها تكون العودة إلى عالم التدوين التي ظللت أخطط لها دون جدوى، فكم من كلمة يمطرنا بها غريب ربما لم يلق لها بالا، حتى إذا اندمجت قطراتها بأتربتنا أحيت في جدبنا الثمار والأزهار، وأيقظت من هممنا مالم نستطع نحن إحياءه في أنفسنا برغم كل محاولات الحرث والغرس والإنبات..

بعد آخر تدوينة كتبتها (شيخي وقدر معلوم) انشغلت للغاية بأبحاث تخرجي وتدريبي وترتيبات عودتي للوطن، فقد كان ذاك هو آخر فصل دراسي لي في الماجستير، وآخر فصل من حقبة مميزة للغاية من حياتي. حملت حقائبي، ودعت رفيقاتي ومنزلي، وودعت رفيقي الأغلى: نهر شارلز، وغادرت بوسطن، متجهة إلى الرياض. هل أقول اتجهت إلى الرياض بكل الحماس والأمل والأحلام؟ بأهداف التغيير والإنجازات وتحقيق كل ماتعلمته في دراستي وغربتي؟ كلا، بل هو أكثر وأبعد من ذاك بكثير. عدت متخيلة بل مؤمنة أن وطني يكاد لا يقوى على الانتظار أكثر.. وهل أجمل من عودة المبتعثين؟ كنت أظن.. في زمن مضى.. أن لا أجمل…!

وعدت، واستقبلتني الرياض بأتربتها الحبيبة. وكم كان (ولا يزال) صعبا علي التأقلم من جديد على كل ما ألفته في الماضي دون أن أستسيغه: بدءا بحتمية وجود رجل يقلني متى أردت الخروج من المنزل، وانتهاء بغياب كثير من الأنظمة، والحقوق، وسيادة أعراف ما أنزل الله بها من سلطان.

وبدأت رحلة التقديم على الوظائف، ولعلي أقول بلا فخر أني أصبحت مختصة في فن المقابلات! فمن رؤساء الأقسام في الجامعات، إلى رؤساء الأقسام في المستشفيات، إلى مختصي المقابلات في مكاتب التوظيف. وكانت هذه المقابلات في أغلب المرات هي بداية النهاية: فرؤساء الأقسام في الجامعة يخبرونني بأسى أنهم قد (رفعوا أوراقي) لشؤون التوظيف، وأن الأمر قد خرج من أيديهم. وشؤون التوظيف معروفون ببقاء الأوراق عندهم شهورا طوال قد تختفي بعدها أوراقك كأن لم تكن! ومختصوا التوظيف في المستشفيات يخبرونني بأن تخصصي لم يمر عليهم من قبل، وأن ليس هناك وظائف واضحة بالنسبة لي.. ثم يعرجون بدعوى أن مؤهلاتي (فوق) المطلوب over qualified!! مع التذكير المستمر لي بأن ليست عندي خبرة عمل مما لا يتيح لي فرصة توقع الراتب الذي أظنني أستحقه (برغم أني بدأت أول عمل لي حين كنت في السادسة عشرة، مستمرة في العمل خلال سنين دراستي، لكن خبرات التطوع والتدريب ليس لها حساب عندنا كما يبدو!) ومع ذلك فهم يريدونني أن أعمل معهم، مؤكدين على أن: مكانك عندنا ولن نسمح للمستشفى الفلاني والجامعة العلانية بأن يستحوذوا عليك! والكل يردد على مسامعي: أنت من أوائل المؤهلات السعوديات في هذا التخصص، سيرتك الذاتية مذهلة!

وهكذا بت أتأرجح.. مابين الوعود والمقابلات وعروض العمل التي (كنت أراها) بعيدة عن تخصصي كثيرا، وما بين الأيام تمضي.. والشهور.. وأنا أتعلم درسا قاسيا: الوظائف هي المعارف. أما شهادتك، فليست دوما طريقك إلى الوظيفة التي تسعى لها، وتستحقها. كنت قد تعلمت هذا الدرس بعد تخرجي من الجامعة، إذ تم ترشيحي لوظيفة معيدة، لكن تم استبدال أوراقي بأوراق أخرى تتمتع بمزايا أخرى. لكن يبدو أني آبى تعلم هذا الدرس! ربما بسبب تمسكي بالصورة المثالية لوطني، وربما لأني مازلت أرى الحياة أجمل مماهي عليه حقيقة!

لبثت أربعة أشهر دون عمل. لم أكن ربة منزل، بل كنت ربة فراغ ومربية اكتئاب. كان حزني طافحا، وكانت آمالي مبعثرة، وكنت لا أصدق أن وطني لم يحتفل بعودتي وربما لم يعلم بها بعد. وهنا ارتكبت خطئا فادحا: أجلت الكثير من هواياتي، وأعمالي التطوعية، وأبحاثي، لحين أتوظف! صحيح أنني كنت أقرأ من هنا وهناك، أبعثر بعض الكتابات، وألقي المحاضرات، لكن لم تكن إنجازاتي كما عهدتها أبدا. كان في ذهني تصور أني في انتظار سينقضي أقرب مما أتصور. هل تعرفون شعور أن نكون في محطة الباص غير متأكدين من وقت مجيئه بالضبط، لكن عالمين أنه قادم قريبا؟ وكيف أننا نمتنع عن إجراء مكالمة بحاجة للهدوء والتركيز، أو شراء شيء من المتجر، أو حتى قراءة مادة دسمة، لعلمنا أنها مسألة لحظات، وأن الباص حتما قادم الآن أو بعد قليل؟

حسنا. لم يأت الباص/الوظيفة للأسف.

الغريب في الأمر أن الكثير ممن حولي كانوا يخبرونني أن لا بأس في البقاء دون عمل بعد كل الجهد والتعب الذي بذلته خلال سنوات دراستي، وأن المرء بحاجة للاسترخاء والارتياح من فترة لأخرى! صدمني إحساسنا بالوقت، وكيف أننا شعوب ترى من الطبيعي أن نسترخي “أشهرا” بحالها! كنت أرى بقائي دون عمل هدر لطاقتي وتضييع للعلم الذي جنيته وتراجع وطن وتخلف أمة! وكنت أتفكر في كمية المشاريع والأبحاث التي كنت أنجزها في مثل هذه الفترة التي قضيتها في المنزل.. وفي مقدار النقص في مشاريع الصحة العامة المتخصصة في السعودية، فتطويني نوبة من الأسى.. يكملها إحساسي الجديد بالغربة، وكيف أني غير قادرة على الخروج سيرا من منزلي، ليحتضنني نهر شارلز مابين ضفتيه الحبيبتين.
اتصلت برفيقتي إكرام، التي سبق ورفضتُ عرضها بأن أعمل معهم في مركز حلول للاستشارات والتدريب بدوام جزئي، وذلك في بداية عودتي للرياض، بحجة أني سأتوظف وظيفة رسمية في أية لحظة! سألتها إن كان العرض مازال قائما، وبحمد من الله، فقد كان!بدأت العمل معهم، كالمديرة التنفيذية للقسم النسائي.. ومرت شهور أربعة بحلوها ومرها.. حلاوة العمل في خدمة المجتمع، وعالم الإعلام، ورؤية الآثار المذهلة التي حققها البرنامج التلفزيوني “إيجابيون لكل أسرة”، ومرارة الاستشارات النفسية/الاجتماعية الهاتفية التي كنت أتلقاها، وكيف صدمتني نسبة الخيانات الزوجية في مجتمعنا.. ولا تعليق.

بعد الشهور الأربعة جاءتني الوظيفة، التي كان فيها شيء من تدخل العلاقات: “محللة سياسات” في أحد أفضل مستشفيات الرياض، لأكون قد أكملت ثمانية أشهر قبل الحصول على وظيفة رسمية. لم تكن في صلب تخصصي، ولم تبد ملائمة لطبيعة شخصيتي البتة، لكني تلقفتها، بابتسامة.

وهاءنذا الآن أعمل في ذلك المستشفى، (إضافة لعملي كباحثة مع مركز حلول). أغيب عن منزلي عشر ساعات يوميا، في وظيفة أنقذتني، دون أن تشبهني! هل أجد نفسي فيها؟ هل أشعر بالحماس صباحا حين أغادر المنزل؟ هل أشعر بالإنجاز والعطاء من خلالها؟ ربما باتت أسئلتي هذه من الترف الذي لا يليق بمن قتله البقاء في المنزل دون عمل..

لكن عزائي أني أعرف -إلى حد ما- ما أريد وكيف الطريق إليه، وأننا نتدرج في الوصول لأحلامنا عبر محطات ليست بالضرورة ما نتمنى ونحب.. لذلك لا أجد أمامي إلا أن علقت على مكتبي في العمل ورقة صفراء مكتوب عليها: صبر جميل، والله المستعان..!
غادرني حزن البطالة الطافح، وإن تناوبتني مصاعب وأحزان من نوع “وظيفي” آخر، لكنها الحياة! وعدت للعب التنس، والقراءة المنتظمة، وبدأت كتابة بحث عن إيجابيون، وهاءنذا أعود للتدوين :)

هل أجبت لحن عن تساؤله/تساؤلها بثرثرتي يا ترى؟ هذا مختصر ماحل بي من أحداث مذ كتبت آخر تدوينة يا لحن.. أما أحاديث النفس وتفكر العقل وتحليق الروح.. فلعلي أتناولها في كتابات قادمة. وبفضل متابعتكم وتعليقاتكم.. مدونتي لن تكون مهجورة بعد اليوم بإذن الله!

***
قلت لريم السعوي، رفيقة الصبا وصاحبة مدونة ساعي بريق، حين سألتني عن سبب توقفي عن الكتابة في مدونتي: أني أرى الكتابة مسؤولية كبيرة لا أقوى عليها! فقالت بحب: نهى، خذي الأمر ببساطة يا رفيقتي.. اكتبي عن أيامك!وهاءنذا يا ريم أستمع لنصيحتك، وأحاول أخذ الأمر ببساطة.. وأكتب عن أيامي!

***
لمحة: “الفائزون يتوقعون فوزهم مسبقا، فالحياة نبؤة تحقق لكل شخص ما يتنبأ به”