خفق القلب خاشعا يتأمل اللوحة من الأعلى.. وينظر إلى الأرض من ميناء القمر.
رأيت بشرا يتزاحمون ويلهثون.. ويطلبون الأرزاق من أهل الأرض.. حتى إذا لم يحصلوا _بعد السعي_ على مرادهم، ثاروا وسخطوا، وظنوا أن الأبواب أغلقت في وجوههم.. وأن خسرانهم هو الخسران المبين!
ورأيتني.. وأواه مما رأيت.. أحذو حذوهم وأقتفي أثرهم.. وآبى إلا أن أحصل بالضبط على ما أريد.. في الوقت الذي أريد..!!
ورأيت من بين الجموع رجلا غطى جلال البياض شعره، وعلت الطمأنينة في رفق محياه.. وقد ارتدى بردة من الرضا.. وحلة من اليقين.. وبرغم سعيه الدؤوب الذي لم يختلف في شيء عن باقي أولئك البشر، إلا أنه في كل مرة لم يحصل على مراده فيها، كان يتمتم شيئا.. ينظر إلى السماء ويبتسم.. ثم يعاود سيره بقوة أعلى وطاقة أكثر نورانية..
قررت أن أوقف البكاء على حالي، وأسعى في طلب الخبر. مشيت خلفه، استجمعت قوتي ثم هتفت بصوت خفيض:
- اسمح لي أيها الشيخ الجليل، أن أسأل عما تردد في القلب.. وحار فيه العقل.. ثم لم أجد إلى الإجابة عليه سبيل!
- تفضلي يا ابنتي.
- سؤالي عن الرضا الذي قرأنا وسمعنا الكثير عنه، فأتقنّا فهمه وحفظنا معانيه، وتاقت أرواحنا لثوابه.. ثم وجدنا أنفسنا أضعف ما نكون على تحقيقه!
سؤالي عن الأماني تهوي من الأنجم، حتى إذا ظننا أنا لمسناها تبخرت.. وعن الأحبة نرتشف من محبتهم، حتى إذا كدنا نرتوي حالت بيننا وبينهم الفيافي والقفار!
وعن أمراض لا نملك لها ردا، ومظالم لا نملك لها عدا، وعن الدنيا تقبل علينا.. ثم لا نلبث نحتفي بها إلا وقد أدبرت!
ثم بعد كل هذا.. كيف إلى الرضا نجد السبيل؟!
ابتسم شيخي.. وظل صامتا لحظات.. ثم ابتدأ حديثه بهذه الكلمات النورانية:
{وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم..} (1)
{وكل شيء عنده بمقدار} (2)
إن هو إلا استشعار القلب يا ابنتي أن الخزائن عنده وإن ظننا أن مفاتيحها بأيدينا أو بأيدي غيرنا من البشر. أن لا (شيء) مما نملكه من عقل وقوى وشعور ومواد وهبات وأسباب وأقدار.. إلا هو منزله بمشيئته وحكمته.. فإن أدركنا أن كل ذاك منزل بقدر معين، لا ينقص ولا يزيد، ولا يؤخره الزمان ولا يقدمه إلا بأمره.. لانت قلوبنا لحكم الله، واطمأنت أرواحنا بقضائه، واستثمرنا أوقات الحسرة والندامة غرسا لمستقبل مثمر..
في هذه الآيات من المعاني ما يمسح بحنو على حيرتك.. فقط أطيلي التأمل فيها بقلبك كما بعقلك.. ثم اسألي الفتاح المنان أن يفتح عليك بالفهم، ويمن عليك بالعمل..
مرت على عقلي صور الكثير من الأشياء التي نملكها وتحيط بنا.. والتي أُعطيناها أو منعنا منها بقدر معلوم.. لكن دون أن نتأمل أنه المقدار المعلوم..
بدءاً من شكلنا وخلقتنا ومواهبنا، وطباعنا التي جبلنا عليها..
أهلنا.. تعليمنا.. رزقنا.. أوطاننا.. طبيعة أرضنا!
علاقاتنا مع الآخرين.. قوتها وضعفها.. ومقدار المشاعر والتوافق أو التنافر فيها..
وحتى ميعاد تحقيق أحلامنا.. الصغيرة منها و الكبيرة.. والكيفية التي تتحقق بها هذه الأحلام..
تنبهت من أفكاري المتلاحقة.. فبادرت أسأل عما يعينني على فهم عملي للرضا:
- إن أذنت لي يا شيخي.. فلدي سؤال آخر!
- تفضلي يا ابنتي.
- وكيف أعلم أن الرضا قد عانق القلب؟
- قال يحيى بن معاذ حين سُئل عما سألت: يبلغ العبد مقام الرضا إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل فيها ربه فيقول:
إن أعطيتني قبلت..
وإن منعتني رضيت..
وإن تركتني عبدت..
وإن دعوتني أجبت..(3)
صمتُّ أتفكر في عبد هذه حاله.. وكم من الدرجات علي صعودها بغية الوصول لهذا المقام!
وبينما أنا كذلك.. إذ هم شيخي بالانصراف.. لكنه قال بعد أن استدار نحوي وكأنه تدارك شيئا:
- تذكري يا ابنتي أن تحقيق الرضا والإيمان بالقدر المعلوم لا يتعارض البتة مع التفاني في البذل والعمل بالأسباب.. فإنما علينا الجهد.. وعلى الله التكلان..
و اعلمي أن ليس من شرط الرضا ألا نحس بالألم والمكاره، فتلك طبيعة ابن آدم.. بل الرضا ألا نعترض على الحكم ولا نتسخطه.. فالسخط لا يولد إلا الحسرة والضيق وضعف الثقة بالله.. بينما يفتح الرضا آفاق سعادة متى تذوقتها الروح لم ترض بغيرها بديلا..
عاد شيخي لسيره على الطريق بعد أن ألقى علي السلام. أما أنا فظللت واقفة أرقب خطواته الواثقة وأتفكر في اللآلئ التي نثرها بين يدي.. متأملة خزائن الله الملأى.. وذاك القدر المعلوم..
وفي طريق عودتي، جالت ببالي كثير من الأسئلة والقضايا.. فتمنيت أني قضيت معه وقتا أطول، واستزدت من جعبته ما يروي ظمئي..
ندمت على فوات فرصة كهذه قد لا تكرر، فمن يدري؟ قد لا ألتقيه مرة أخرى! يااااه ليتني على الأقل طلبت منه أن يعطيني ….
توقفت لحظة. ثم ابتسمت.. تمتمت بعض الكلمات.. ثم أكملت السير بطاقة نورانية أعلى..
إذ تذكرت أن لقائي معه ومقدار العلم الذي أخذته منه كان (شيئاً) وأني لم أكن لأحصل منه إلا بقدر معلوم…
_____________________________________________________________
(1) الحجر آية 21
(2) الرعد آية 8
(3) ابن قيم الجوزية، تهذيب مدارج السالكين، مؤسسة الرسالة: الطبعة السادسة ص 579

أحدث التعليقات