
كان اليوم جميلاَ عليلاَ عذباَ يتوه الحسن في وصف ملامحه.. وتحار الروح بكل ما فيها من الرقة من رقة نسائمه.. ولا يقوى القلب بكل ما أوتي من شاعرية على الإلمام بشاعرية هواه..
كان اليوم هو السابع من شهر مارس/آذار.. فتحت نافذتي الصباحية فإذا بالربيع يطل علي باشاَ ضاحكاَ ملاطفاَ.. لم أصدق ما أحسست به من الدفء.. فقبل أيام فقط أُغلقت المدارس والجامعات، إذ كانت حبات الثلج تتساقط بلا انتهاء فتغطي ببياضها الملائكي الدنيا وتلتمع بسحرها على الطرقات في درجة حرارة تحت الصفر.
استنشقت الربيع محاولة أن أعبئ رئتي به حتى الإزهار.. وابتسمت لتذكري أن الربيع يبدأ كما يقولون في يوم عشرين من هذا الشهر، أي بعد قرابة أسبوعين من الآن.. لكني وكما هي العادة لا آبه كثيراَ لما يقولون.. ولا أتقن تكذيب حواسي.. فمن غير الربيع يناديني من النافذة ويهتف بي لأخرج وألعب معه؟!
خرجت بعد العصر مباشرة لأتمشى على نهر التشارلز(1). يا الله كم اشتقت السير على ضفافه الحبيبة دون أن تكون صفحته_ كما هي الدماء في عروقي_ متجمدة! كانت هناك أعداد كبيرة من البشر افتقد النهر وجودهم زمناَ طويلاَ.. بملامحهم الأوروبية والآسيوية والإفريقية.. هجروا بيوتهم وجاؤوا جذلين تحدوهم نشوة الاحتفال بمراسم الربيع..
وبينما كنت أسير.. مررت على أصناف متعددة من البشر والمواقف.. وحكت كعادتي أصنافاَ لا انتهاء لها من الحكايا..
*****
مررت خلال سيري على رجل قد جلس بهدوء وتأمل على أحد الكراسي المنتشرة على حافتي النهر، وقد أمسك بيده دفترا وقلم رصاص وراح يخط الجمال بأصابع ماهرة تحركها روح متذوقة.. ابتسم لمرآي ثم عاود التركيز من جديد..
في طريق عودتي رأيت وجهه من جهته اليسرى وهو ما لم أره في عبوري الأول بجانبه. فإذا بنصف وجهه محترق قد تغير لونه كما تغيرت ملامحه.
رحت أتساءل: هل يا ترى يحيي ما انطفأ في وجهه من جمال ببعث ما في لوحاته من جمال؟ وهل يعاود رسم ملامحه التي تغيرت عبر ملامح الأنهار والسفوح والمنحدرات؟
وماذا عنا نحن..؟
هل نحسن فن الإعمار حين يتهشم جزء منا.. أم أننا نكتفي بالعويل واحتساء الشفقة؟
*****
على الطريق الممهد طوال الضفة.. التقت امرأتان تسيران أمامي بثالثة تركب الدراجة. توقفت صاحبة الدراجة حين رأتهما وراحت الثلاث تتحدثن بحماس ومرح وحب.
اثنتان منها كانت لهما بشرة بيضاء وعينان زرقاوان. بينما كانت للثالثة بشرة غامقة وعينان سوداوان. أما ما اشتركن فيه من الألوان فكان شعر رأس أبيض.
ابتسمت.. ورأيت فيهن ذوبان الأعراق وتبخر الطوائف.. وجمال الشعوب حين تعيش مستشعرة أن الله خلقنا شعوبا وقبائل لـ”نتعارف”(2)..
رأيت فيهن أيضاَ تحرراَ جميلاَ مما يكبل النساء في أوطاننا حين يصبحن في هذا السن.. تحررا من (صبغات الشعر) وقيود العمر على حد سواء! باغتني سؤال ضحكت مما أثاره في عقلي من خيال: هل سأظل أقود دراجتي حين أصل هذا العمر؟!!
*****
استمريت في السير مأخوذة بجمال موجات الماء الراقصة على أنغام الغيمات المتناثرة في السماء.. سرت أبعد مما اعتدت.. فإذا بأم قد جلبت معها الساندويتشات، وراحت تطعم زوجها وابنها و.. البط!
تقافزت البطات والبجع ورحن يتسابقن على قطع الخبر الملقاة لهن.. وشعرت بإحداهن تحدجني بنظرة ظننتها توبخني من خلالها إذ عبرت بجانبهن في هذا اليوم الجميل دون الخبز نحتفل به سويا! فبادلتها نظرات اعتذار على قلة ذوقي وجهلي بمراسم الترحيب بالربيع.. واعدة إياها بحس ذوق أعلى حين أجيء المرة القادمة.. (أجل كانت في بالي قطع الخبز والكعك التي جفف الزمان رطوبتها وجمعتها في كيس يحتل منذ بعيد الزمان الزاوية إياها من ثلاجة مطبخي!)
ابتعدت عن البط ورحت أصعد الدرج المؤدي إلى الجسر.. فإذا بصراخ البطات يعلو جماعياَ فجأة وعلى نفس الوتيرة.. نظرت فإذا بجماعات البط والبجع تعبر النهر لضفته التي أقيمت فيها حفلة الخبز.. وكأنهن يتبادلن الأخبار الحلوة ويسعين لتنال كل واحدة منهن نصيبا من قطع الخبز القليلة المبعثرة!
رحت أتأمل: أي دور عظيم يلعبه الإعلام في حياتنا..؟ أي أخبار يأتي بها إلينا.. وإلى أين يجرنا؟
وهل نسير كجموع البط خلف صراخه أم نملك فكرا ناقدا ورؤية مدققة تسبق تكوين المسلمة وبناء القناعة؟
ممم.. هل سبق وذكرت أني كلما فكرت في تغيير تخصصي يكون الإعلام أول الخيارات؟ J
*****
في طريق عودتي.. وحين وقفت عند الإشارة، كانت هناك سيارة صغيرة مفتوحة النوافذ.. وقد ترددت منها أنغام الموسيقى بصوت عال للغاية.. توقفت لحظة وأنا أضغط زر مرور المشاة في الإشارة.. محاولة تمييز النغمة التي بدا لي أنها مألوفة..
ولم يطل بي الوقت حتى تعرفت عليها: كان صوت نجوى كرم.. يعلن طريقة العرب الخاصة في الاحتفال بمقدم الربيع!!!
*****
عدت إلى البيت عابرة أحد الجسور.. توقفت على حافته أتأمل الماء والسماء للحظات قبل أن أعود لأبحاثي وكتبي، فإذا بأغصان شجرة قد مالت علي وكأنها تلفت انتباهي لشيء تخبئه.. فأمسكت بها.. ونظرت إلى النتؤات عليها.. فإذا براعمها الصغيرة الطرية قد بدأت بالظهور استعدادا لتكبر ويكتمل نضجها.. وتصبح هي الأخرى أشجاراَ باسقة من جديد! فرفرف قلبي جذلاَ: إن هو إلا الربيع!
أخبرتها أن غدا يوم ربيعي جميل.. وأنه يوم ميلادي.. وأني أنا الأخرى أكبر وأنضج وأحمل البذور لأزرعها في زوايا الحياة.. وروح الأمم..
غادرتها.. ولسان حال الكون ينشد أبياتاَ من أجمل ما جادت به بذور الشابي..
يَجِيءُ الشِّتَاءُ ، شِتَاءُ الضَّبَابِ شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر
فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر
وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر
وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر
وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر
وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر
وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر
وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ وَأَشْبَاح دُنْيَا تَلاشَتْ زُمَـر
….
وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ حَتَّـى نَمَا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـر
فصدّعت الأرض من فوقـها وأبصرت الكون عذب الصور
وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر
وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه تعيد الشباب الذي قد غبـر
وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر
وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر
______________________________________________________
(1) نهر التشارلز (The Charles River)كان يسمى (كوينوبيكوين) والتي تعني المتعرج بلغة السكان الأصليين، فأسماه المستكشف الكابتن جون سميث (نهر ماستشيوستس) نسبة إلى اسم المنطقة، لكن الملك تشارلز الأول غير تسمية النهر على اسمه. ولا تعليق!
(2) وهو ليس مشهداَ تراه كل يوم، فأمريكا مازالت تعاني من التفرقة العنصرية، وإن كان اختيار باراك أوباما كأول رئيس أمريكي ذو بشرة داكنة يعد خطوة إيجابية جبارة في مواجهة هذه العنصرية.
أحدث التعليقات